الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
179
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
استئناف بياني لجواب سؤال مقدّر ينشأ عن تهويل القعود عن الغزو وما توجّه إلى المخلّفين من الوعيد . استيفاء لأقسام المخلّفين من ملوم ومعذور من الأعراب أو من غيرهم . وإعادة حرف النفي في عطف الضعفاء والمرضى لتوكيد نفي المؤاخذة عن كلّ فريق بخصوصه . والضعفاء : جمع ضعيف وهو الذي به الضعف وهو وهن القوة البدنية من غير مرض . والمرضى : جمع مريض وهو الذي به مرض . والمرض تغيّر النظام المعتاد بالبدن بسبب اختلال يطرأ في بعض أجزاء المزاج ، ومن المرض المزمن كالعمى والزمانة وتقدم في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ في سورة النساء [ 43 ] . والحرج : الضيق ويراد به ضيق التكليف ، أي النهي . والنصح : العمل النافع للمنصوح وقد تقدّم عند قوله تعالى : لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ في سورة الأعراف [ 79 ] وتقدّم وجه تعديته باللام وأطلق هنا على الإيمان والسعي في مرضاة اللّه ورسوله والامتثال والسعي لما ينفع المسلمين ، فإنّ ذلك يشبه فعل الموالي الناصح لمنصوحه . وجملة : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ واقعة موقع التعليل لنفي الحرج عنهم وهذه الجملة نظمت نظم الأمثال . فقوله : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ دليل على علّة محذوفة . والمعنى ليس على الضعفاء ولا على من عطف عليهم حرج إذا نصحوا للّه ورسوله لأنّهم محسنون غير مسيئين وما على المحسنين من سبيل ، أي مؤاخذة أو معاقبة والمحسنون الذين فعلوا الإحسان وهو ما فيه النفع التامّ . والسبيل : أصله الطريق ويطلق على وسائل وأسباب المؤاخذة باللوم والعقاب لأنّ تلك الوسائل تشبه الطريق الذي يصل منه طالب الحقّ إلى مكان المحقوق ، ولمراعاة هذا الإطلاق جعل حرف الاستعلاء في الخبر عن السبيل دون حرف الغاية . ونظيره قوله تعالى : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [ النساء : 34 ] وقوله : فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا كلاهما في سورة النساء [ 90 ] . فدخل في المحسنين هؤلاء الذين نصحوا للّه